الجدل حول الفصل 70 من الدستور التّونسي: جدل قانوني بحت أم جدل قانوني مستثار ذو خلفيّة سياسيّة؟

شهدت الأيّام الأخيرة جدلا فيما يتعلّق بآليّة تفويض الصلاحيّات التّشريعيّة لمجلس نواب الشعب إلى رئيس الحكومة لإصدار مراسيم تدخل في مجال القانون والوارد بالفصل 70 من الدستور التّونسي و الذي ينصّ على أنّه

 “في حالة حلّ مجلس نواب الشعب، يمكن لرئيس الجمهورية إصدار مراسيم بالتوافق مع رئيس الحكومة تُعرَض على مصادقة المجلس في الدورة العادية التالية.

يمكن لمجلس نواب الشعب بثلاثة أخماس أعضائه أن يفوّض بقانون لمدة محدودة لا تتجاوز الشهرين ولغرض معين إلى رئيس الحكومة إصدار مراسيم تدخل في مجال القانون تُعرَض حال انقضاء المدة المذكورة على مصادقة المجلس.

يستثنى النظام الانتخابي من مجال المراسيم.”

وقد تعلّق الجدل بالصلاحيّات التي سوف يتمّ تفويضها لرئيس الحكومة وما إذا كان من المفروض أن تكون محدودة أو موسّعة حيث تقدّمت رئيس الحكومة بمشروع قانون إلى مجلس نوّاب الشّعب يتضمّن مجموعة من المجالات يطلب التفويض فيها و إثر مناقشته داخل لجنة النّظام الدّاخلي، انتهى الأمر إلى التقليص في الصلاحيّات الّتي ينوي المجلس تفويضها و تحديدها تحديدا دقيقا مستدّلين في ذلك برأي جانب من فقهاء القانون الدستوري.

إنّ قراءة نصّ الفقرة الثانيّة من الفصل 70 من الدستور التونسي لا تدع مجالا لأي شكّ بأنّ لمجلس نوّاب الشّعب سلطة تقديريّة في أن يختار أن يفوّض جزء من صلاحيّاته من عدمه وهذا الأمر يرجع لمجلس النّواب في الأخير و من المفترض أن يكون التفويض بسعي منه.

ولكن ينبغي أن نتوقّف قليلا على الوضعيّة الواقعيّة الّتي يقتضيها التّفويض الّذي طلبته الحكومة. إن الأمر يتعلّق هاته المرّة بوباء صنّف من قبل المدير العام لمنظّمة الصّحة العالميّة Tedros Adhanom Ghebreyesus في 11 /03/2020 بكونه جائحة « pandémie » مع ما يترتّب على ذلك التّصنيف من آثار على مستوى الإجراءات و تدابير إستراتيجيّة ينبغي اتخاذها وهو مايعني أنّ الظروف تعدّ خطيرة و إستثنائيّة للغاية.

وهاته الظّروف تحتّم على الدّول اتخاذ إجراءات متناسبة مع الظّرف وكفيلة بالحدّ من انتشار الوباء و الحدّ من آثاره.

والثّابت أن الجهاز التنفيذي تفاعل مع الأزمة إذ تولّى رئيس الجهوريّة إصدار الأمر الرئاسي عدد 24 لسنة 2020 المؤرخ في 18 مارس 2020 المتعلق بمنع الجولان بكامل تراب الجمهورية والأمر الرئاسي عدد 28 لسنة 2020 المؤرخ في 22 مارس 2020 المتعلق بتحديد الجولان والتجمعات خارج أوقات منع الجولان والّتي اتّخذ بموجبها جملة من التّدابيروارتكز في طالع الأمرين إلى الفصل 80 من الدّستور التّونسي الّذي ينصّ في فقرته الأولى ” رئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب.” إضافة إلى إعلان رئيس الحكومة لحزمة من الإجراءات لمجابهة الآثار الإقتصاديّة لهاته الجائحة و ما اقتضته من توقّف للعديد من الأنشطة داخل الدولة.

إنّ الخطر الدّاهم الّذي حتّم اللّجوء للفصل 80 للدستور يحتّم من باب أولى وأحرى أن تكون الصّلاحيّات الّتي سيتّم تفويضها كفيلة بمواجهة تداعيات الفايروس سيما وأنّ خطورة الوضع الصّحي و خطر انتشار الوباء لا تسمح بتواصل النّشاط بصورة عاديّة داخل مجلس نوّاب الشّعب البالغ عددهم 217 نائب و استمرار انعقاد اجتماعات اللّجان و الجلسات العامّة بصورة عاديّة اعتبارا إلى أنّ الظّروف اللوجستيّة لا تسمح باحترام التّدابير الوقائيّة اللّازم اتخاذها (التّباعد…)

إنّ الحجج الّتي اعتمدها أصحاب الرأي المساند لتحديد دقيق للصلاحيّات تمحورت حول عدم جواز المساس بمبدأ التفريق بين السّلط في النظام الديمقراطي وهاجس عودة الدكتاتوريّة وضرورة تحديد الصّلاحيّات للتوقّي من تلك الأخطار.

إنّ كلّ هاته الهواجس لا تعدو أن تكون إلّا هواجس نظريّة منبّتة ضرورة أنّنا الآن في فرضيّة الفصل 80 من الدستور والّذي يقتضي في فقرته الثانية أن يعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة وأن لا يجوز حلّه .

وحيث فضلا عن ذلك فإنّ نصّ الدستور في الفصل 70 حدّد فترة زمنيّة لسريان التفويض و مكّن مجلس نوّاب الشّعب من إجراء رقابة بعديّة (un contrôle à postériori )على المراسيم الّتي سوف يصدرها رئيس الحكومة و له أن يصادق عليها كما له أن لا يصادق.

إنّ التعلّل بضرورة التدقيق في تحديد الصّلاحيّات و إن يجد في الفقه ماقد يسانده فهو في هاته المرحلة لايستقيم سيما و أن فقه القضاء الدستوري في أعتى الدّول ديمقراطيّة سمح بإمكانيّة تفويض الصّلاحيّات في مجال معيّن[1]

ويرى فقه القضاء الدستوري السويسري[2] أنّ تفويض الصلاحيّات في مجال معيّن ممكن إذا كان من المفروض أن يأخذ التّشريع نسقا سريعا. أي أن الحاجة للمرونة تقتضي أن تكون الصلاحيّات أوسع[3] والشّرط الوحيد هو أن يتضمّن نصّ التفويض على الخطوط العريضة (les grandes lignes)

كما يرى جانب من الفقه الأمريكي[4] أنّ تفويض الصّلاحيّات الموسّع ضروري لتحقيق للأهداف الّتي حدّدتها الدّولة بطريقة سريعة و فعّالة.

إنّ المبدأ العام يقتضي ارتكاب أخفّ الضّررين كما أنّه إذا احوجّت الضّرورة لتأويل القانون، جاز التّيسير في شدّته.

إن الإستثناء الوحيد المتعلّق بالتفويض والوارد بالفصل 70 من الدستور يتعلّق بالمجال الإنتخابي و الإستثناء يؤوّل بصفة مضيّقة و لا يتجاوز القدر المحصور مدّة و صورة.

إنّ الفصل 95 من الدستور التّونسي يقتضي أنّ الحكومة مسؤولة أمام مجلس نوّاب الشّعب وعليه وحتّى تتحمّل الحكومة كامل المسؤوليّة السياسيّة فإنّه يتجّه تمكينها من جميع الوسائل الكفيلة بممارسة نشاطها على أحسن وجه.

إنّ الضّوابط الّتي تحكم النّشاط التشريعي لمجلس النوّاب هي نفس الضّوابط الّتي سوف تحكم النشاط التشريعي للحكومة بواسطة المراسيم والواردة بالفصل 49 دستور والّذي تضمّن مبدأ التناسب « le principe de proportionnalité » وعليه و حسب رأيي فإنّه من العيب خوض حرب سياسيّة تتعلّق بتنازع صلاحيّات في هذا الظرف الحسّاس. إنّ التعاطي السّياسي مع هاته الأزمة و اعتماد مقاربة سياسيّة في محاولة للي الأذرع باستعمال حجج دستوريّة حمّالة أوجه قد يجرّ البلاد إلى وضعيّات لا يحمد عقباها و يتحمّل المسؤوليّة فيها مجلس النّواب بمفرده.

[1] OFFICE FÉDÉRAL DE LA JUSTICE, Guide de législation, Berne 2019, p. 184 ch. 721/722/723/724 (https://www.bj.admin.ch/dam/data/bj/staat/legistik/hauptinstrumente/gleitf-f.pdf); voir aussi Message du Conseil fédéral du 20 novembre 1996 relatif à une nouvelle Constitution fédérale, FF 1997 I 1/396-397 (https://www.bj.admin.ch/dam/data/bj/staat/gesetzgebung/archiv/bundesverfassung/bot-neue-bv-f.pdf)

[2] ATF 103 la, 369, 374 à 377; 118 la 245, 247 s.; 305, 310 s

[3] BELLANGER, François. Parlement et administration en Suisse. Annuaire européen d’administration publique, 2006, vol. 29, p. 337-369 ” La délégation d’un domaine déterminé est envisageable si sa réglementation doit évoluer rapidement. Dans ce cas, le besoin de flexibilité justifie une délégation large des compétences normatives au Conseil fédéral “

[4] SCHOENBROD David, The delegation doctrine : could the court give it substance ?, 83, Michigan Law Review , 1985, p.1225, voir aussi CAPT Gloria, Les procédures administratives en droit américain, Droz, Genève, 1989.

Share

Add Your Comments

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *